من مظاهر الذكورية في الثقافة الليبية

 

تنعكس ثقافة الشعوب من خلال ممارساتها و موروثها  و تجسد الأمثال الشعبية جزء من هذا الموروث الشفوي و المتواتر ونشرح بنية مجتمعية ما علينا أن نقوم بتحليل هذه الأمثال و دراسة التصرفات و العادات  لاستخراج القيم التي وافقت البوصلة الأخلاقية الشعبية و سمحت بتمرير هذه القيم و الممارسات  إلى اليوم.

بكلمة الذكورية في هذا المقال أقصد منظومة من التصورات و الأفكار و الممارسات التي تفضل الرجل على المرأة و ترى في الذكر بطبيعته أعلى مرتبة و أفضل مكانة من الأنثى.

  لا راجل يطلق لا عمود يفلق
مثل شعبي يكشف تغلغل الذكورية  المحضة و يصف التهور و الصبيانية  من قبل المرأة عندما تخسر خوفها من زوج يطلقها و عمود يضربها، ولست أدري في أي الحالتين تكون الإهانة أشد:
هل في استخدام الذكوريين للخوف من الطلاق كأداة تأديب؟ أم في عرض  هذا الخوف جنب إلى جنب مع الخيار الآخر:العمود ؟ و العمود بالمناسبة هو عصى عريضة اعتاد الليبيون حيازتها لغرض الحراسة، مايمثل اعترافا صريحا لمشروعية العنف و الإجرام الذي يودي بحياة الآلاف من النساء حول العالم  في الثقافة الليبية واعتباره أسلوبا يمكن اعتماده وقت الحاجة للتأديب. 
إن هذا المثل لا يعطي الأفضلية للرجل على المرأة  فحسب و لا يلغي للتوازن و الندية بين الجنسين فقط و لكنه ينسف تماما مفهوم الاحترام المتبادل الذي من المفترض أن يكون أساس بناء العائلة السوية. 
إن أصابع الاتهام التي تتوجه للمرأة المطالبة بتنقيح هذا الموروث، متهمة إياها بأنها ضد قيم المجتمع و ضد قيام العائلة، تفترض حتميا أن العائلة الليبية في يومنا الحالي قائمة على الظلم و الاسقواء و القهر،و هذا الافتراض خطير تماما بقدر خطورة المثل أعلاه. 
هكذا يقيم موروثنا الشعبي الليبي المرأة فهي عندنا و إلى اليوم يستشهد بأهميتها  بأنها الأم و الأخت و الجدة و بنت الجيران، لمن ؟ للرجل طبعا لباقي أفراد المجتمع  الطبيعيين الذين ليسو من النساء فأهمية المرأة بدل أن تصدر عن شخصها كونها إنسانة مواطنة فرد من أفراد المجتمع، تبقى لصيقة الرجل و التابعة له.
هل سألنا أنفسنا يوما لماذا لا نقول أن الرجل هو الأخ و الأب و العم و ابن الجيران  و المعلم و الطبيب و الفنان؟ لأننا ببساطة لا نحتاج تبريرات لوجوده و احترامه كفرد مستقل واجب وليس محل تشكيك، بغض النظر عن ارتباطه أو عدم ارتباطه بفرد آخرأعلى أو أقل منه درجة .


  مرأة واحدة لكنها بمائة رجل 
إن لغتنا في حقيقة الأمر ملغمة بشتى ضروب العنصرية و التمييز و العنف اللغوي ضد المرأة على سبيل المثال لا الحصر يشار إلى المرأة التي تستحق المجد بأنها بمائة رجل و هذا يبقينا في اعتبار أن الرجل وحدة لقياس الصلاح و الرشاد، فاستخدام كلمة رجل  لوحدها بدون تعريف مرادف لصفات حسنة كثيرة منها الشجاعة و القوة و الشهامة و سحب هذه الصفة من أي ذكر كفيل بمعاقبته و لكن لماذا ؟ في الواقع  توجد مرأة كاذبة و رجل كاذب أو خائن أو سارق الخ مالضير في ذلك؟ لماذا تتحلى الرجولة هذه الهالة من القداسة ؟

من جانب آخر نجد تشبيه الرجل بالمرأة في أعلى قائمة المسبات فإهانة السياسيين و المجرمين تتم في براح السوشيل ميديا بصورة ملفقة، يكفي أن يوضع للشخص مكياج أو أن يرتدي ملابس مرأة و كفى بذلك للحط من قيمته و الدحض التام لقدره ! 
بالإضافة لذلك فإنالرجل يتهم باتباع أساليب النساء عندما يقوم بالحديث عن توافه الأمور و يمارس النميمة و يستعمل خطاب غير عقلاني ، فموروثنا أيضا و للصدفة معزز بكمية من الأمثال في هذا الصدد،  كما تنتشر في وسطنا الليبي أقاويل  عديدة مستورة تحت عباءات مختلفة مفادها أن عقل المرأة صغير و اهتماماتها في أغلب لأحيان سطحية و وعيها وبمسؤوليات وتحديات الحياة الصعبة الحقيقية متدني و لكن من أين أتى هذا التصور؟

مجتمعنا جعل المرأة لا تفعل شيئا سوى أن تصون نفسها بين أربعة جدران وهي صيانة في نهاية المطاف لاتعني العفة بل تعني العجز عن العفة بدون الجدران

الصادق النيهوم

حجة أن  عقل المرأة صغير  ترد على نفسها بنفسها إذ يتم تهيئة المرأة منذ الطفولة على أن لب مستقبلها عبارة عن زوج و بيت مملوء بالأطفال و الحياة الزوجية السعيدة، و أن العالم الذي يتواجد وراء هذا الباب ليس من شأنها، تمت برمجتنا على أن أي صورة أخرى للمرأة مهما نجحت في حياتها العملية فهي في تصنيف التعيسة و المسكينة، و يتم تقيد حريتها  أثناء نضوجها باعتبارها جوهرة ثمينة و الترجمة الواقعية للمصطلح هو إنسانة حبيسة يندرج مستقبها المهني في خانة الثانويات في أحسن الأحوال و في أسوأها تولد في عائلة لا يسمح لها بالتعليم المختلط، و لا تمارس هوياتها ولا تحظى بحياة اجتماعية حقيقية  هذا و تعفى في كثير من الأحيان من العمل و المسئوليات المادية في شكل ميزة لطيفة و محبة يتمنن بها من يحسبنا لأجل هذا مجتمعا منصفا للمرأة، لكن هذه الميزة ليست سوى حرمان من تعلم تحمل المسؤولية و هي أهم مهارة في حياة الإنسان المعاصر، هو حرمان من بناء شخصية متزنة ناضجة لها القدرة على التصرف بالمحكمة المطلوبة في الأوقات الصعبة.
إن شخصية الإنسان و وعيه و نضجه لا يتكون بمرور الوقت بين الجدران بل بخوض التجارب و التجارب الصعبة خاصة، يتعلم الانسان بوضع الأهداف و ارتكاب الأخطاء، تحديدا ارتكاب الأخطاء يساهم بشكل كبير في رفع وعي الإنسان و أثيرنا يعج بأفكار مقدسة تعظم خطأ المرأة بهدف استلابها الجسدي و الفكري
مثلا اذا اعتبرنا أن التدخين عادة سيئة مضرة بالصحة، فما سر قبول أن يمارس في العامة كأي تصرف طبيعي من قبل الذكور واستهجان نفس الفعل و رفصه عندما تمارسه أنثى ؟
إن المجتمع يعطي للرجل حق ارتكاب الأخطاء و تصحيحها و يتساهل في كثير من الأحيان مع أخطاء تكلف الشعب الليبي الكثير من الاحترام و الموارد و أحيانا الأرواح و يحرم المرأة هذا الحق تحت ذرائع مختلفة متنوعة تصب كلها في اعتبار المرأة جسد و جسد فقط يجب ان يحفظ و يغلف جيدا و إلا ضاعت قيمتها،
عندما يسلب الإنسان هذا الحق فإنه من المجحف جدا ان نصفه بالامسئول أو السطحي و المتطلب أو الكسول   فإن النتيجة المتجسدة في الواقع نتيجة حتمية  لللمارسات في حقها.

ماهي الرجولة و ماهي الأنوثة ؟
من الصعوبة وضح تعريف محدد موضوعي وواضح للرجولة و الأنوثة إن هذين المصطلحين فضفاضين و مطاطين بشكل يسمح بأرياحية بتمرير الكثير من الهلاميات و الشعارات الهادفة لخدمة الفكر الذكوري.
فإذا أردنا أن نمدح شخصا مستخدمين الرجولة فهو مدح يعني أن الشخص شجاع حكيم قوي شهم و ذكي  و لكن السؤال ماذا يعيب المرأة في هذه الصفات؟ و لماذا يجب أن تقتصر الصفات الحسنة هذه  على الرجل؟
يرتبط هذا المفهوم ارتباطا وثيقا بالواقع حيث يطلق لقب (مسترجلة) على كل مرأة قررت إعلاء صوتها و عدم ترك حقها و المضي قدما حتى نيله.
  بينما في المقابل مفاهيم الأنوثة تتصل بالحشمة و الرقة أي الضعف و الهدوء و الاحتواء و طيبة القلب و الحنان و ايضا ما المعيب في اتصاف الرجل بهكذا أوصاف ؟ ألا يحق للرجل البكاء أو ممارسة أي نوع آخر  من التعبير عن مشاعره بدون أن يمارس عليه التصنيف ؟

إن تطبيقات هذه المفاهيمم في أرض الواقع خطيرة جدا إذ يتم توظيف هذه النمطيات لشحن الشعب ضد الشعب، فمفهوم الرجولة و حماية المرأة تم بالفعل استعماله لتسخين الصراع على السلطة و تأجيج الحرب الأهلية باعتبارها مواضيع تندرج ضمن التابوهات التي لابد أن يتفاعل معها الرجل و إلا اتهم بالدياثة.
أن القالب النمطي للفكر الذكوري يحبس كل من الرجل و المرأة و يفرض عليهما أدوار معينة بحجة الطبيعة و الطبيعة تصرخ ان لا دخل لها لا من قريب ولا من بعيد بالنظم الاجتماعية التي اتخذها البشر خلال مسيرتهم منذ الاف السنين
ختاما فإن مجتمعنا يزخر بالإشارات و الواضحات في التقليل من شأن النساء بدأ ب ( إلى حرم السيد ) المكتوبة في بطاقات الدعوة في الأفراح إلى (عيب البنت تحط صورتها ) وصولا للتحرش العلني في الشارع و الاضطهاد في المنازل، فهل كل هذه المظاهر مصادفة ؟ 


تعليقات