تأملات شابة


لعل تناقض الإنسان هو ما يصنع توازنه .
لا حياة بدون صراع، فطبيعة الحياة في كينونتها صراع خاسر في نهاية المطاف ضد الموت ، بمجرد انتهاء صراع المتناقضات ينتهي كل شيء إلى الأبد .
قد يفسر ذلك هشاشة أرواحنا ، تقلب أحوالنا ، و العواصف التي تموج في داخلنا، صراعات و تحالفات و مؤامرات شيقة تدور رحاها في لا وعي كل منا لكننا لا نرى منها سوى وجهها الخجول و الجبان معا.
كلما تحفظ المتاخصمون و تكتموا حول ما يدور في الداخل كلما عاش الشخص حالة من الهدوء النفسي و كلما ازداد عناد الأخوة و اشتد الصراع كلما عايشنا ذلك الهرج و المرج .. و ما السلام الداخلي سوى فترة هدنة مؤقتة يستجمع فيها كل مقاتل قواه و يلتقط على عجل أنفاسه استعدادا للجولة التالية .
هذه العبارات ليست تنمقا أدبيا مبالغا فيه إنها حقائق يواجهها العالم في جل أزماته الفلسفية ، كيف ذلك ؟
من نحن ؟
السؤال الأبسط و الأشد تعقيدا في آن واحد و جرب أن تجيبه بما لديك من صدق و حيادية و ستلاحظ تعقيد المسألة
من أنت ؟.. لا يعني إسمك أو عائلتك بالتأكيد فهذه العناصر أعجز من أن تصلح لتكون تعريفا .. انت لست بلدك ولا قارتك.. انت أثقل من جواز سفر يحددك ، هويتك ذات وظيفية تنظيمية في عقدنا الاجتماعي الكبير ليست وظيفة توضيحية أو تعريفية لمهيتك.
انت إنسان .. تعريف وحيد لكن يال المصادفة يشترك في هذه الصفة معك حوالي 7 مليار شخص .. تحلى ببعض الدقة !
لنترك وظيفة التعريف الدقيق هذه ولنحلل بشكل أوسع حول مضمون الإنسان .. فلنفترض ان لدينا صندوقا مجهولا نحتاج إلى أن نعرفه، سنتسائل ابتداءا على محتوياته أليس كذالك ؟ إذا فلنغير صيغة السؤال من ( من انت ) إلى ( على ما تحتوي ) أو مالذي يحركك ؟
لدينا مجموعة من الاحتياجات الرغبات و الأهداف .
ايضا قيم و مبادئ تركبت بطريقة بالغة في التعقيد على جيناتك تجاربك ظروفك..
تتبلور بتفاعل كل تلك العناصر شخصيتك التي توجهك لالتقاط معارفك و نسج آرائك و أفكارك .
عدنا إلى فكرة التناقض بعد تحليلنا البسيط :
التناقض المنوذجي الأول في وجهه الأكثر بدائية يظهر بين القيم و الرغبات ، بين الاحتياجات و المبادئ . لا يزال الإنسان بصفة عامة و لدينا بصفة خاصة يعايش حالة من الحزم الزائف حيث تعمل الأنا العليا على تحقير الرغبات و تدنيس متطلبات الإنسان الطبيعية فيتشبع مثالية جوفاء تتربص بكل فرصة لخلط اللبن بالماء.
النتيجة : مجتمع مثالي في العلن لكنه في الخفاء يكثر من خلط اللبن بالماء.
هذه التناقضات تنتج الصدام و يبدأ بعدها الصراع مباشرة بعد تكوين الوعي، ينضج الإنسان مع تلك الصراعات و يتعايش معها حسب ما يتولد لديه من حكمة .
ليست كل الصراعات ضارة و لا يمكن أن نحكم عليها بتغليب أحد الأطراف على الآخر بشكل محايد، قد يكون كل طرف على حق ، و قد يكون هذا الصراع أو ذاك مهما علاوة على كونه غير ضار.
كأنه مزيج بهارات هندية في طبخة معقدة ، كل النكهات مهمة بالرغم من كونها متناقضة. عليها فقط ان تكون متوازنة، و العكس بالعكس لتصنع توازنا عليها أن تكون متناقضة .. لن تتوازن أبدا أثقال متراصة على نفس الكفة.
و كما قلنا في البداية، لعل تناقض الإنسان هو ما يصنع توازنه ! 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

في أرض( تامراوا )

سوق في رأسي.( قصة قصيرة )

كبرياء زائف